سورة النور - تفسير التفسير القرآني للقرآن

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (النور)


        


{سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)}.
التفسير:
فى هذه السورة- أمران- نحب أن نقف قليلا عندهما، قبل أن نمضى في تفسيرها:
أولهما: هذا البدء الذي بدئت به، والإخبار عنها بأنها سورة- مع أنها سورة من مائة وأربع عشرة سورة، هى القرآن الكريم كله.
فما سرّ هذا؟
لم نجد أحدا من المفسرين سأل هذا السؤال، أو أشار إليه من قريب أو بعيد.. وإن كانوا قد توسعوا في شرح معنى سورة، وأنها من السور الذي يقوم على ما يداخله، ويحتويه.. فهى بهذا أشبه بالسور.. لها بدء وختام.
وما بين بدئها وختامها محصور في البدء والختام.. وليس في هذا ما يجعلها منفردة بوضع خاص بين سور القرآن الكريم.
أما الإخبار عنها بأنها سورة، وهى سورة فعلا.. فهذا ما قد سكتوا عنه.
وهو أمر يلفت النظر، ويستوجب الدراسة والبحث.
ونحن إذ ننظر في قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.
نجد هذا الخبر وما وصف به، ينطبق على كل سورة من سور القرآن الكريم.
فكل سورة منه هى سورة، وكل سورة، أنزلها اللّه وفرضها، وأوجب على المسلمين التعبّد بآياتها، والفعل بأحكامها.. وكل سورة فيها آيات بينات، للتذكر والتدبر، وهى في هذا لا تختص بمزيد فضل على غيرها من السور، لأن القرآن كله كلام اللّه، وكلام اللّه- سبحانه- على التمام والكمال جميعه، لا يفضل بعضه بعضا بشىء.. إذ ليس هناك مكان لزيادة في فضل! فما السر إذن؟
نقول- واللّه أعلم- إن بدء السورة في الحقيقة هو قوله تعالى في الآية الثانية منها: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ}.
وإن الآية التي بدئت بها السورة ليست إلا تنبيها على أن سورة ستنزل، وفيها فرائض، وأحكام، وآيات بينات.. وذلك أن الأحكام الشرعية.. وخاصة ما يتصل منها بالحدود- لم يجىء بها القرآن الكريم في صدر السور القرآنية، وإنما جاء بها بين ثنايا الآيات، حيث يمهد لها بآيات قبلها، ثم يعقب عليها بآيات بعدها.. وبهذا يجىء الحكم الشرعي وبين يديه ومن خلفه ما يدعمه، ويوضحه.
فقوله تعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.
هو أشبه بالموسيقى، التي تتقدم موكب المجاهدين في سبيل اللّه، المتجهين إلى غزو مواقع الكفر والضلال، إذ أن الآيات التي جاءت بعد هذا المطلع، هى في الواقع أقرب شيء إلى أن تكون بعثا من جند السماء، يحمل الهدى والنور إلى هذه المواطن المظلمة من المجتمع الإسلامى، فيبدد ظلامها، ويكشف للأبصار والبصائر، الطريق المستقيم إلى مرضاة اللّه! وثانيهما: تسميتها بسورة النور.
على اعتبار أن أسماء السور توقيفى، وهو الرأى الراجح عندنا.
لم سميت بهذا الاسم؟
والجواب- واللّه أعلم- أن ذلك:
أولا: لأنها جاءت بآيات كشفت ظلاما كثيفا، كان قد انعقد في سماء المسلمين قبل أن تنزل هذه السورة، وتنزل معها هذه الآيات.. وذلك أن السيدة عائشة رضى اللّه عنها، كانت في تلك الفترة موضع اتهام على ألسنة المشركين والمنافقين، وقد أوذى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من هذا الحديث المفترى، كما أوذيت زوجه رضى اللّه عنها، وأوذى المسلمون بهذا الذي طاف حول بيت النبوة من غبار تلك التهمة المفتراة.. فلما نزلت الآيات التي تبرّئ البريئة الصدّيقة بنت الصديق- انقشع هذا الظلام، وكشف النور السماوي، عن وجوه المنافقين المفترين.
وثانيا: جاء في السورة الكريمة قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ.. الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ.. الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِي ءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ.. نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ..} [35].
فلهذه الأنوار التي تملأ الوجود من نور اللّه، ولهذه الآيات المنزلة التي أضاءت للمسلمين ظلام الليل الكثيف، وفضحت المشركين والمفترين- لهذا أو ذاك، أولهما معا، استحقت السورة أن تحمل هذا الاسم، وأن تكون نورا على نور.. من نور اللّه..!
بعد هذا، نستطيع أن نلتقى بالسورة الكريمة، ونقف بين يدى آياتها.
قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.
{سُورَةٌ} خبر لمبتدأ محذوف، تقديره، هذه سورة.. وقد قرىء {سورة} بالنصب، بتقدير ناصب لها من فعل، أو اسم فعل، مثل اقرأ، أو استقبل، أو إليك أيها النبي سورة.
وفى هذا البدء إلفات إلى ما سيجيئ في السورة من أحكام. وتشريعات، وقواعد، لحفظ المجتمع، وصيانة روابط الأسرة، التي هى الأساس الذي يقوم عليه كيان الجماعات والأمم.
الجلد والرجم.. وجريمة الزنا:
قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.
هكذا تبدأ السورة بهذا الحكم، على غير ما جرى عليه القرآن من تقرير الأحكام في ثنايا السورة، وبين يديها ومن خلفها آيات تمهيد لها، وتعقب عليها.
أما هنا، فقد تكاد السورة تبدأ بهذا الحكم، وليست الآية التي بدأت بها السورة إلا إعلانا عن أن هذه سورة، وأنها جاءت ابتداء بتقرير هذا الحكم، وهذا يشير إلى أن هذا الأمر الذي جعلته السورة في مقدمتها، هو أمر عظيم الخطر على المجتمع الإنسانى، وأن من الحكمة الإسراع في محاربته والقضاء عليه، وأنه لهذا جدير بأن يتصدر سورة من سور القرآن الكريم، وألا تسبقه مقدمات، وإرهاصات تشير إليه.
وفى تصدير الحكم بالجملة الاسمية، تقديم للمسند إليه- المبتدأ- وكشف عنه قبل الكشف عن الحكم الذي سيسند إليه.. إذ ليس المقصود أولا هو إقامة الحدّ على الزانية والزاني، وإنما المراد هو التعرف على من يحمل هذا المرض الخبيث في كيانه.. ثم يأتى بعد ذلك ما يتخذ لوقايته، ووقاية المجتمع منه.
فقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} يلفت السامع إلى أن حكما ما سيقع عليهما، أو قولا سيقال فيهما.. وهنا تصغى الأسماع، وتتطلع النفوس إلى هذا الحكم.
وإذ يتوقع المستمعون أن هذا الحكم سيكون وعيدا من اللّه، أو وصفا دامغا للزانية والزاني- يجىء الأمر على غير ما ينتظرون، وإذا هم أنفسهم، هم المطالبون بالكشف عن هذا الداء، ثم هم مطالبون أيضا بأخذهم بهذا الدّواء الذي وضعه اللّه في أيديهم، وإنفاذ أمره فيهم.. وهذا كله من شأنه أن يجعل المسلمين جميعا حربا على هذا الداء، وأساة لمن يصابون به.
ففى قوله تعالى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ}.
أولا: عزل للمؤمنين، عن جماعة الزّناة، الذين تحقق المجتمع من هذا الداء الذي نزل بهم.
وثانيا: إلزام للمؤمنين ألا يقفوا موقفا سلبيا من هذا الداء الذي يتهددهم إن هم تغاضوا عنه، ولم يأخذوا ولأنفسهم وقاية منه.
وبهذا يكون معنى الآية:
الزانية والزاني، ها هما قد أصيبا بهذا الداء الخبيث، وإنه لكى تدفعوا عن أنفسكم شر هذا الداء، فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين اللّه إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر، إذ لستم أنتم أرأف بالناس من رب الناس.
وفى قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} إشارة إلى أن الجريمة ينبغى أن يكون عقابها علنا، بمحضر من الناس، ليكون في ذلك فضح للجانى، وتحذير لغيره من أن يأتى هذا المنكر، ويقع تحت سياط العذاب، وعلى أعين الناس! وهذه الجريمة ينكرها الناس جميعا، وتنكرها كذلك المدنية الغربية جهرا، وترضى بها وعنها سرا.. وذلك لما في هذه الجريمة من عدوان على حقوق الأزواج، ومن اختلاط الأنساب، وحل روابط الأسرة، وقطع ما بين الآباء والأبناء من تعاطف، وتراحم، وإيثار، وبذل يبلغ حد التضحية بالنفس، الأمر الذين لا يكون إلا إذا ملأت عاطفة الأبوة قلوب الآباء.. وهذا لا يكون إلا إذا وقع في نفوس الآباء وقوعا محققا أن هؤلاء الأبناء من أصلابهم، وأنهم غرسهم الذي غرسوه، ونبتهم الذي خرج من هذا الغرس.. ومن هنا تقوم في أنفسهم الدواعي القوية لرعاية هذا النّبت وبذل الجهد له، حتى ينمو، ويزهو، ويثمر.
إن المجتمع لا يكون مجتمعا سليما، قوى البنيان، ثابت الأركان، إلا إذا انتظمت أفراده مشاعر متلاحمة من التوادّ والتعاطف بين أفراده.. والأسرة هى أول لبنة في بناء المجتمع.. ومن هنا كان حرص الإسلام على إقامة هذه اللّبنة من مادة متماسكة، متلاحمة، مصفاة من الشوائب، محصنة من الآفات.. فربط أولا بين الزوج والزوجة بهذا الرباط الموثق، الذي لا ينحل إلا إذا عرضت له عوارض تجعل من إمساك الزوجين بهذا الرباط أمرا فيه إعنات لهما، أو لأحدهما، فكان التحلل منه أرفق وأوفق.. ثم لم يدع الإسلام هذا الرباط ينحل تلقائيا- إذا دعت دواعيه- بل جعل له أسلوبا خاصا يجرى عليه، ويتعامل الزوجان بمقتضاه، كأن تعتدّ المرأة بعد انحلال الرابطة الزوجية بالطلاق أو الوفاة، وكأن يقدم الرجل للمرأة مؤخر الصداق، ونفقة العدة، وغير هذا مما هو مفصل في كتب الفقه.. ثم هذه الثمرة التي يثمرها الزواج من أولاد، وما يجب على الآباء عن رعاية وتربية لهؤلاء الأولاد، وهو أمر وإن كان في فطرة الكائن الحي، إلا أن الإسلام جعله شريعة، يؤخذ بها من فسدت فطرتهم من الآباء والأمهات.
وكذلك أوجبت الشريعة على الأبناء طاعة الآباء، وبرّهم، وتقديم الرعاية الكاملة لهم عند الكبر والعجز.. وهذا أمر وإن كانت تقضى به الفطرة، وتوجبه المروءة، التي تدعو إلى مقابلة الإحسان بالإحسان، فإن الإسلام جعله شريعة ملزمة، وحقا واجب الأداء، إذا كان في الأبناء من ذهبت مروءته، وطمست معالم فطرته، فلم يرع هذا الحق ابتداء من غير طلب.
وهكذا ينظر الإسلام إلى الأسرة، ويعدّها البوتقة الأولى، التي تنصب فيها مبادئه، وتختبر أحكامه، وتثمر شريعته.. فإنه إذا ظهرت آثار هذه الشريعة في مجتمع الأسرة، وقامت منها تلك الخلية السليمة، القوية، المحصنة من آفات الانحلال والتفكك- كان المجتمع الذي يقوم من اجتماع هذه الخلايا، مجتمعا سليما قويا.. أشبه بالجسد السليم القوى، الذي لا تنال منه الآفات والعلل.. إذا عرضت له.
وسلامة الرباط الذي يقوم بين الزوجين، وقيام الرابطة الزوجية في ضمان من التحلل والتفكك، وفى أمان من الشك والارتياب- هو الأساس الذي تقوم عليه الصلات الروحية، والنفسية، والمادية بين أعضاء هذه الأسرة، التي يبنيها الزوج والزوجة معا.
من أجل هذا وقفت شريعة الإسلام هذه الوقفة الحكيمة الحازمة، من أمر الزنا، وعدّته آفة مهلكة إذا لم يأخذ المجتمع كله السبيل عليها، وينكّل بالذين يعتدون على حرمته ويهددون أمنه وسلامته، ويدكون صرح بنيانه، باقتراف هذا المنكر.
وقد فرق الإسلام في العقوبة بين المحصنين وغير المحصنين، لما بين الفريقين من اختلاف في الحاجة، وفى الدافع إليها.
فالحدّ الذي فرضه الإسلام، هو مائة جلدة لغير المحصن، من النساء والرجال:
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ}.
أما المحصن من الرجال والنساء، فحدّه الموت.. رجما بالحجارة.
فإذا توافرت أركان هذه الجريمة بما يوجب الحد، وجب الحد، ولزم.
ثم إنه إذا أقيم الحد- جلدا أو رجما- وجب أن يكون علنا، يشهده طائفة من المؤمنين، وقد أشرنا من قبل إلى الحكمة المبتغاة من هذه العلانية.
هذا، وقد جاء الجلد نصا في القرآن الكريم.. كما جاءت به الآية الكريمة: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ}.
ولكن.. هنا سؤال:
إذا كان حكم القرآن قد جاء هكذا مطلقا في الزانية والزاني، وهو الجلد.
فلم هذا التخصص بغير المحصنين؟ ومن أين جاء النص على المحصنين بالرجم؟
ونقول إن التقييد للنص القرآنى، وصرفه إلى غير المحصنين، إنما هو من عمل الرسول، صلوات اللّه وسلامه عليه.. فقد رجم الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه- محصنا هو ماعز بن مالك كما رجم محصنة هى: الغامدية وذلك كما هو ثابت في السنة المطهرة.
ولكن.. لسائل أن يسأل:
كيف يجىء حكم القرآن عن جريمة الزنا نصا في الجلد، ثم لا يجىء فيه نص للرجم؟
ألا يكون عكس هذا هو الأولى.. فينصّ القرآن على العقوبة الكبرى وهى الرجم ثم يجعل الجلد عملا من إعمال هذا النص، فيكون تعزيرا، حيث لا تتوافر الأدلة القاطعة؟.
ونقول- واللّه أعلم-:
أولا: حمل إطلاق قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ} حمل هذا الإطلاق على غير المحصنين، فيه رعاية لمقتضى الحال، الذي يكاد يصرّح بأن الزنا- إن كان- فلا ينبغى أن يكون إلا من غير المحصنين، حيث لم يكن لهم ما يتحصنون به من دواعى الشهوة، بالزواج، الذي من شأنه أن يكسر حدة هذه الشهوة، ويطفىء وقدتها.. فهم لهذا- إذا أقدموا على الزنا كانوا أقل جرما من المحصنين، الذين من شأنهم أن يتحصنوا ويتعففوا، وهم في حياة الزوجية.
فهذه الإشارة بليغة من الشريعة الإسلامية، إلى أن المؤمن ينبغى أن يكون في حصانة من دينه، وفى يقظة دائمة من مراقبة ربه.. وتوقى العدوان على حدوده، فإذا غلبت المؤمن شهوته، في هذه الحال، وأغواه شيطان فاستغوى، وركب طريق الفاحشة- فإنه ملوم مذموم.. ولكن شتان في هذا، بين المحصن وغير المحصن، في موقف الحساب والجزاء، على تلك الفعلة المفكرة.
ولشناعة هذه الجريمة، وعظيم خطرها، فقد نص القرآن على أدنى حد يجب أن يؤخذ به مقترفها. وهو الرجم، كما أن القرآن أمسك بهذا النص من يغلب عليهم أن يواقعوا هذا المنكر، ويقعوا تحت العقوبة الراصدة له، وهم غير المحصنين.. أما المحصنون فأولى بهم ألا يكون لهم موقف هنا.
وألا يذكروا فيمن يذكر في معرض هذا الأمر الشنيع.
وثانيا: إن عمل الرسول، متمم للشريعة، وشارح لها، بحكم القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [7: الحشر] ذلك أن الرسول لا يدخل على شريعة اللّه إلا بما يأمره به اللّه.
كما يقول تعالى: {وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى.. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى} [3- 4: النجم] وثالثا: أن وجوب إقامة الحد على الزاني والزانية، لا يكون إلا إذا وقعت هذه الجريمة مستوفية أركانا خاصة، دون أن يعلق بأى ركن منها شبهة من الشبه القريبة أو البعيدة.. فإذا انحلّ ركن من هذه الأركان، أو دخلت عليه شبهة لم تكن جريمة في نظر الشارع، ومن ثم فلا حد على المأخوذ بها.
وأهم الأركان التي تثبت بها جريمة الزنا، شهادة أربعة من الشهود العدول، بأن يشهدوا بأنهم رأوا هذا المنكر بين الرجل والمرأة، على الوجه الذي يقع بين الزوجين في فراش الزوجية، من المعاشرة التي لا يطلع عليها أحد، وأن تكون هذه الرؤية كاشفة كل شيء بين الرجل والمرأة، وخاصة فيما يتصل بالتقاء سوءتيهما، التقاء مباشرا كاملا.
فإذا لم تقم كل شهادة من شهادات الشهود الأربعة على هذا الوجه، بحيث لو وقع الاختلاف بينها في أية صفة من تلك الصفات- لم يحكم بوقوع الجريمة، ومن ثمّ فلا إقامة لحد عليها.. ويجلد الشهود ثمانين جلدة، إعمالا لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً، وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ} [4: النور].
وطبيعى أن تحقق هذه الشروط ندر أن يقع.. ذلك أن الذي يمكن أن يحدث منه هذا الأمر المنكر على ملأ من الناس بحيث تنكشف لهم سوءته- هو إنسان معتوه، أو مجنون، أو مخمور.. لأن العاقل- في أي درجة من درجات العقل- يأبى عليه حياؤه أن يتجرد هذا التجرد لأعين الناس.. وإنه لو فرض وكان ممن ذهب ماء الحياء من وجهه.. فكيف السبيل إلى المرأة التي جمد حياؤها هذا الجمود، فتعرّت للرجل هذا التعرّى على أعين الناس؟ إن هذه صورة لا تقع إلا في أحوال نادرة، وتحت ظروف وأحوال غير طبيعية، كأن يقدر الزانيان أنهما في مأمن، فينكشف عنهما هذا الستر الذي تسترا فيه، على غير انتظار، أو أن يطلع عليهما مطلع من حيث لا يحسبان أو يقدران.
ولا شك أن غير المحصنين هم أقرب إلى التعرض لمثل هذا الفعل المنكر المفضوح، إذ كانوا- تحت وطأة الشهوة وقسوة الحرمان- معرضين للاندفاع إلى هذه الجريمة، وإلى قلة المبالاة بعواقبها، والعمى أو التعامي عن الظروف المحيطة بها.
أما المحصن فإنه- إذ يقدم على هذه الجريمة- لا يكون محكوما بثورة الشهوة، أو قسوة الحرمان إلى هذا الحد الذي يكون عليه غير المحصن.. كما أنه لا يندفع إلى هذه الجريمة هذا الاندفاع الصارخ المجنون، في غير مبالاة، خوفا من الفضيحة والخزي، عند زوجه وبنيه وأهله.. ولهذا لم تثبت جريمة الزنا على المحصن أو المحصنة إلا بإقرارهما، كما كان الشأن مع {ماعز} والمرأة الغامدية.
وهنا يتضح لنا حكمة نص القرآن على حد الجلد، وهو العقوبة المفروضة على غير المحصنين، إذ كان غير المحصنين- كما قلنا- هم الكثرة الواقعة تحت حكم الزنا، على تلك الصورة المكشوفة المفضوحة، وهم أدنى إلى مواقعة الإثم على صورته تلك، من المحصنين، الذين يكاد الإسلام لا يفترض لهم وجودا.
لأنهم إذا وجدوا على تلك الحال، كانوا من الندرة النادرة التي لا يتوجه إليها عموم الحكم.
كذلك تتضح حكمة هذا التقدير الذي قدّره الإسلام لعقوبة هذا الجرم، في مجاليه معا، الإحصان وغير الإحصان، وهو تقدير عادل رحيم، لا تخف موازينه أبدا، في أي مجتمع إنسانى، يحترم وجوده، ويكرم إنسانيته، ويرعى حرماتها، ويحتفظ بالقدر الإنسانى من حيائه ومروءته.
والجلد مضافا إليه الفضح على الملأ، هو عقوبة غير المحصن والمحصنة.
وهذا الجلد.. غير منكور ما فيه من استخفاف بإنسانية الإنسان، وامتهان لكرامته، وإسقاط لمروءته! نعم.. إن الإسلام يأخذ هذا الإنسان! بكل هذا التجريم والتجريح، في مقابل جنايته تلك التي جناها على المجتمع.
وكيف يرعى الإسلام، حرمة فرد- رجلا كان أو امرأة- لم يرع إنسانيته، ولم يحفل بمروءته؟
وكيف يقبل منه هذا العدوان الصارخ على المجتمع، وهذا التحدّى المجنون لحرمة الجماعة وحيائها، دون أن يذيقه من الكأس التي سقى منها مجتمعا كاملا؟ وكيف لا يلبسه هذا الثوب من المذلة والهوان والاستخفاف، وقد ألبس هو المجتمع هذه الملابس جميعها؟
إن أقلّ ما ينبغى أن ينال مقترقى هذا الإثم- في علانية وفى غير مبالاة- هو أن يكون العقاب المسلط عليهما قائما على العلانية، وعدم المبالاة بهما.
أما المحصنون الذين يضبطهم المجتمع على تلك الحال، ويقيم الشهادة عليهم، فقد نزلوا دركات بعيدة عن هذا المستوي المنحط الذي نزل إليه غير المحصنين، إذ لا يجدون عند اللّه، ولا عند الناس شيئا من العذر الذي قد يقوم لغير المحصنين.. ولهذا كان عقابهم أن يدفنوا في هذه الحفرة التي حفروها لأنفسهم، وأن يقذفهم المجتمع بالأحجار التي قذفوه بها، حتى تزهق أرواحهم.
إن جريمة الزنا، لا يلقاها الإسلام بهذا العقاب الدنيوي الراصد الزاجر، إلا حين تتحول عند مرتكبيها إلى عمل غير منكر، فيأتيه من يأتيه منهم، وكأنه يؤدى رسالة كريمة في الحياة، يرى من الخير أن يشهد الناس وهو متلبس بها.. وهنا يكون الحساب على هذا الفجور العريان، وعلى تلك الحيوانية الطاغية التي تلبس الإنسان، وتتمشى به في الناس، في غير خجل أو حياء.. وكيف يستحلّ دم الحيوان، ولا يباح دم هذا الحيوان من أبناء آدم؟ وهل مثل هذا الإنسان أكرم عند اللّه أو عند الناس من الحيوان الذي أباح اللّه دمه، وأحلّ ذبحه؟
أما حساب الإسلام لمرتكبى هذا الإثم، في ستر وخفاء، فهو مما يتولّاه اللّه، ويأخذ به أهله، يوم يقوم الناس لربّ العالمين، ويقف المذنبون بذنوبهم بين يدى أحكم الحاكمين، فيغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء.
من أجل هذا، لم تكن عقوبة الجلد أو الرجم تقع، إلا في القليل النادر جدا، على أولئك الذين ينادون على أنفسهم بالفضيحة.. بلا مبالاة أو تحرج..!
فما فرض الإسلام على المسلمين- حكاما أو محكومين- أن يفتّشوا على دخائل الناس، وأن يعمدوا إلى كشف ما ستروه، وما ستره اللّه عليهم.. بل إنه سبحانه- رحمة بعباده- دعا إلى الستر على المبتلين من عباده بمنكر من المنكرات، وعدّ الكشف عن هذا المنكر من إشاعة الفاحشة في المؤمنين وتوعّد الذين يذيعونها بالعذاب الأليم.. فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [19: النور].
روى أن رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه، وقد بلغه عن امرأة كانت تعلن الفجور، فقال: «لو كنت راجما أحدا بغير بيّنة لرجمت هذه» وهذه المعالنة التي يشير إليها الرسول- صلوات اللّه وسلامه عليه-
هى تلك التي يرى فيها الناس تلك المرأة متلبسة بهذا المنكر، على مرأى ومشهد منهم.. حتى لقد كان منها أن اشتهرت أنها على علاقة بفلان أو فلان، وأن بعضهم قد اطلع منها على هذا المنكر.
بقي أن نشير هنا إلى ما ورد في بعض الأحاديث من أن رجم المحصن والمحصنة، قد جاء في كتاب اللّه غير المتلو من آياته.. أي الذي نسخ تلاوة، وبقي حكما.. ويروون لهذا، هذه الآية: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فاجلدوهما البتة نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم».
وقالوا: إن هذه الآية مما كان أنزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم نسخت تلاوته، وبقي حكمه، ولم يثبت في المصحف.
ومن هذا ما يروى في صحيح البخاري ومسلم عن عبد اللّه بن مسعود، أن ابن عباس أخبره أن عمر قام، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإن اللّه تعالى بعث محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وو عيناها، ورجم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ورجمنا بعده.. فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب اللّه، فيضلّوا بترك فريضة قد أنزلها اللّه، فالرجم في كتاب اللّه حق على من زنى وهو محصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو الحبل، أو الاعتراف.
وفى مسند أحمد عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: إن عمر بن الخطاب، خطب الناس، فسمعته يقول: ألا وإن ناسا يقولون: ما الرجم في كتاب اللّه، وإنما فيه الجلد، وقد رجم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورجمنا بعده، ولو لا أن يقول قائل أو يتكلم متكلم: إن عمر زاد في كتاب اللّه لأثبتها كما نزلت! وفى مسند أحمد أيضا عن ابن عباس، قال: خطب عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، فذكر الرجم فقال: لا نجد من الرجم بدا، فإنه حدّ من حدود اللّه، ألا وإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رجم، ورجمنا بعده، ولو لا أن يقول قائلون: إن عمر زاد في كتاب اللّه ما ليس فيه لكتبت في ناحية من المصحف:
وشهد عمر بن الخطاب، وابن عوف، وفلان، وفلان أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد رجم ورجمنا بعده! هذا بعض من أحاديث جاءت في هذه القضية، وهى عند أصحاب الحديث صحيحة، لا مطعن عندهم في سندها.
ونحن إذ ننظر في هذه الأحاديث نجدها معلولة بأكثر من علة:
فأولا: آية الرجم التي تروى بأنها كانت هكذا: «الشيخة والشيخة إذا زنيا فاجلدوهما البتة نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم».
هذه الآية- إذا صحّ أن تأخذ اسم آية- فيها أكثر من أمر يصرّح بأنها ليست من آيات اللّه، ولا من كلام اللّه، ولا من كلام رسوله.. وذلك:
1- «الشيخ والشيخة» كلمتان ثقيلتان، قلقتان، لا ينتظم باجتماعهما نظم قرآنى.. وقد جاء في القرآن لفظ «الشيخ» فوقع موقعه من النظم.
كما في قوله تعالى: {وَهذا بَعْلِي شَيْخاً} وقوله سبحانه: {وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ} ولم يجىء لفظ الشيخة، لا في القرآن، ولا في كلام عربىّ بليغ.
2- كلمة «البتّة» كلمة غريبة، لم يستعملها العرب، وإنما هى كلمة مولدة استعملها الفلاسفة والمناطقة، وأصلها من البتّ، وهو القطع.. وليس في اللغة العربية الصحيحة كلمة تلزمها همزة القطع في (ال) التي للتعريف.
«والبتة» لا تنطق ابتداء أو وصلا إلا بهمزة القطع محققة، على ما استعمله عليها أصحابها.
3- كلمة «البتة» هذه- فوق أنها غريبة- هى أيضا زائدة لا حاجة إليها في تقرير الحكم أو توكيده.. وقد جاء قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ}.
وكان من الطبيعي أن يجىء الحكم المتمم لهذه الآية هكذا: «والشيخ والشيخة فارجموهما.. نكالا من اللّه..».
وإذن فهذه التي تسمى آية، أبعد ما تكون عن نظم القرآن، كما أنها أبعد ما تكون عن بلاغة الرسول، وبيانه المعجز.
وثانيا: إلى جانب هذا الذي يقال عنه إنه آية.. يروى هذا الحديث عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم: «خذوا عنى.. خذوا عنّى.. قد جعل اللّه لهن سبيلا.. البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم».
وهذا الحديث- إن صح- وقد صححه رجال الحديث، يكون أشبه بالناسخ لآية {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} ولآية: «الشيخ والشيخة».
صارفا النظر عنهما إلى الأخذ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ لا معنى للقول: «خذوا عنى خذوا عنى» إلا صرف النظر عن كلّ ما جاء في القرآن عن هذا الأمر، والأخذ بهذا الذي يقال.. وحاش لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن ينطق بهذا، وأن يتحدّى كلام اللّه الذي نزل عليه وبلّغه، فقد أخذ عنه المسلمون من قبل قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ}!
وثالثا: سورة النور كلها محكمة، وقد نوّه اللّه سبحانه وتعالى بها بقوله: {سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ..}.
فهى نور من نور، وكل ما فيها بيّن جلّى، وكلّ ما فيها مفروض لا نقض فيه.
وإذن فتغريب المجلود، والمجلودة، عاما، هو حكم زائد على ما نصّ عليه الحكم الصريح البين في الآية.. وهذا يناقض ما جاء في مطلع السورة من أنها سورة فرضها اللّه وأنزل فيها آيات بينات، واختصاصها بهذه الأوصاف- مع أن كل القرآن على هذه الصفة- مزيد عناية بها، وتأكيد بأنه لا يدخلها نسخ، إن كان هناك نسخ.
وقد ذهب كثير من الأئمة والفقهاءإلى القول بأن لا تغريب مع الجلد.
ويروى عن الإمام علىّ كرم اللّه وجهه أنه كان يقول: كفى بالتغريب فتنة.
وإذا كان للتغريب حكمة في أنه يبعد المجلود أو المجلودة عن محيطهما الذي ارتكبا فيه الفاحشة، ويباعد بينهما وبين الأعين التي ترميمهما بالازدراء، والألسنة التي تقذفهما بالسوء- إذا كان للتغريب هذا، فإن فيه ما ينسى الناس العبرة والعظة التي يجدونها كلما طالعوا وجه المجلودين، كما أن المجلودين- إذا بعدا عن موقع الجريمة، وعن شهودها، خف عنهم أثرها، وزال وشيكا وقعها.. ثم إن الغربة- كما يقول الإمام علىّ- فتنة قائمة بذاتها..!!
ورابعا: الأحاديث التي تروى عن عمر بن الخطاب فيها اضطراب، وتناقض.
فما ينسب إلى عمر أنه قال: إن ناسا يقولون: ما الرجم في كتاب اللّه وإنما فيه الجلد هذا غير معقول أن يقول به عمر، وأحداث الرجم التي وقعت بأمر رسول اللّه لا تزال حديث الناس.. والمسلمون يعلمون أن الرسول مبيّن لكتاب اللّه، وأن قوله وعمله- فيما يتعلق بالشريعة- شرع.. فمحال إذن أن يقول إنسان هذا القول، ومحال كذلك أن يكون لعمر تعليق على قول لم يقل..!
ثم من جهة أخرى، يرى في الحديث أن عمر يقول: لو لا أن يقول قائل أو يتكلم متكلم أن عمر زاد في كتاب اللّه لأثبتّها كما نزلت وهذا كلام لا يلتقى أوله مع آخره.. فعمر رجل قوىّ، لا يأبه أبدا لقول قائل أو كلام متكلم، في أي أمر متعلق بأحكام اللّه.. ثم كيف يخشى عمر قول الناس وكلامهم، ولا يخشى أن يزيد في كلام اللّه.. ثم كيف يخشى عمر قول الناس وكلامهم، ولا يخشى أن يزيد في كلام اللّه، ويثبت ما لم يأمر الرسول بإثباته؟ وكيف تظل هذه الآية غير مقروءة زمن النبىّ، وزمن أبى بكر، وزمن عمر، ثم يبدو لعمر أن يثبتها، لو لا أنه يخشى قول القائلين؟
وأكثر من هذا، فإن الحديث الثالث الذي رويناه آنفا عن عمر، يدل دلالة قاطعة على أن الرجم كان سنّة عملية، ولو لم يكن عن آية قرآنية نسخت تلاوتها.. يقول عمر: لا نجد من الرجم بدا- وصدق فإن الرجم للزانية والزاني المحصنين، مما فعله الرسول، وأمر به.. ثم يقول: فإنه من حدود اللّه...
وصدق- رضى اللّه عنه- فإن الرجم كالجلد، كلاهما من حدود اللّه.. ثم يقول: ألا وإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجم رجمنا بعده وهذا إجماع لا خلاف فيه.. ثم يقول: ولو لا أن يقول قائلون: إن عمر زاد في كتاب اللّه ما ليس فيه لكتبت في ناحية من المصحف، وهذا يعنى أن الذي كان يهتم به عمر ولا يفعله مخافة الفتنة- هو أن يكتب في جانب من المصحف، بعيدا عن الآيات القرآنية- هذا الذي همّ أن يكتبه.
وماذا همّ عمر بكتابته ولم يكتبه للاعتبارات التي رآها؟
هذا هو نص ما أراد عمر أن يكتبه، وأمسك عن كتابته: وشهد عمر بن الخطاب وابن عوف وفلان وفلان أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجم، ورجمنا معه.
هذا ما همّ عمر بكتابته ولم يكتبه، هو شهادة تلحق بالمصحف، في ناحية منه.. ومضمون هذه الشهادة، هو: أن رسول اللّه رجم، ورجم المسلمون بعده ويشهد على هذا عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف، وآخرون.
وهذا يعنى أنه لو كانت هناك آية الرجم هذه التي يقولون عنها: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم»- لو كان لهذه الآية وجود- ظاهر أو خفى- لكانت شهادة عمر عليها أولى من شهادته على الرجم، ولأثبتها في ناحية من المصحف، وشهد هو ومن معه على أنها قرآن، نسخت تلاوته وبقي حكمه.
وهذا قليل من كثير مما يمكن أن يقال في هذه الأحاديث، وفى آية الرجم هذه، وأنه كلما نظر الإنسان فيها وجد خللا واضطرابا برىء منهما القرآن الكريم، وتنزه عنهما كلام اللّه.
فمثلا: الشيخ والشيخة إذا كانا غير محصنين فهل يرجمان؟ والشاب والشابة إذا كانا محصنين فهل لا يرجمان؟ هذا ما يتسع له منطوق آية: الشيخ والشيخة ومفهومها! وفى حديث يروى عن علىّ بن أبى طالب كرم اللّه وجهه، أنه قد ثبت لديه حكم الزنا على امرأة محصنة اسمها: سراحة فجلدها يوم الخميس، ثم رجمها يوم الجمعة، وقال جلدتها بكتاب اللّه، ورجمتها بسنة رسول اللّه.. وهذا دليل على أن الأصل هو الجلد، وهو عام يشمل المحصن وغير المحصن حيث جاء الحكم مطلقا في قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ} وأما الرجم فهو استثناء، من الأصل، وهو مما جاءت به السنّة، في حق المحصنين في الحكم العام، وأن يجرى عليهما حكم الآية المحكمة، ثم يأخذهما بالاستثناء الذي جاءت به السنة.. وهو الرجم.. واللّه أعلم.
قوله تعالى: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}.
اختلف المفسّرون في معنى النكاح هنا، فذهب بعضهم إلى أو المراد به التزوج، على اعتبار أن هذا هو المعنى الغالب على هذه الكلمة.. وذهب آخرون إلى أن معنى النكاح هنا، الوطء، والتقاء الرجل بالمرأة.
وعلى المعنى الأول، يكون معنى الآية: أن الزاني لا يجوز له أن يتزوج إلا من زانية أو مشركة، وأن الزانية، لا يجوز لها أن تتزوج إلا من زان أو مشرك.
وهذا يعنى بدوره أن الزاني والزانية ليسا مسلمين، وأن لهما أحكاما تخالف أحكام المسلمين، إذا لا يجوز لهما أن يتزوجا من المسلمين، وأن لهما أن يتزوجا من المشركين.. وهذا مما لا يحلّ لمسلم أو مسلمة.
والثابت شرعا وعملا، أن الزانية والزاني، لم يخرجا من الإسلام بجريمتهما، وأن إقامة الحدّ عليهما تطهير لهما من الرجس الذي وقعا فيه.. ولهذا كانت كلمة من جاءوا إلى النبي- صلى اللّه عليه وسلم- معترفين بذنبهم، هى قولهم: طهرنى يا رسول اللّه!.
ولهذا، فإن المعنى الذي تستقيم عليه الآية هو أن يكون النكاح بمعنى الوطء، والتقاء الرجل بالمرأة.. ويكون معنى الآية حينئذ: أن الزاني لا يطأ إلا زانية، أي لا يتهيأ له الحصول على من يشاركه هذا الإثم إلا امرأة فاسدة فاسقة مثله. فهو فاسد فاسق، لا يستجيب له إلا فاسدة فاسقة، أو {مشركة} لا تؤمن باللّه، ولا تخشى حسابا أو جزاء، فهى لهذا مستخفّة بكل معنى من معانى الخلق والفضيلة، إذ لا ترجو بعثا، ولا تطمع في ثواب ولا تخشى من عقاب.
وكذلك الشأن في الزانية.. إنها لا تدعو إليها إلا فاسدا فاسقا، يستجيب لها، ويواقع المنكر معها، أو مشركا.. لا يؤمن باللّه ولا باليوم الآخر.
وفى هذا تغليظ لهذا الجرم. واستخفاف بأهله.. وأنهم أهل سوء، يجتمع بعضهم إلى بعض.. فليس فيهما صالح وفاسد.. وإنما هما كائنان فاسدان، ينجذب بعضهما إلى بعض، كما ينجذب الذباب إلى القذر والعفن.
وفى قوله تعالى: {وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} إشارة إلى أن هذا الفحش، أو هذا المنكر، قد حرّم على المؤمنين، لا يأتونه أبدا.. كما حرم عليهم شرب الخمر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير اللّه به.. ومع هذا فإن بعض المؤمنين يأتى هذه المحرّمات، ولا تنزع عنه صفة الإيمان إلا في حال تلبّسه بالمنكر.
وهذا ما يشير إليه قوله صلى اللّه عليه وسلم: «لا يقتل القاتل حين يقتل وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يختلس خلسة وهو مؤمن.. يخلع منه الإيمان كما يخلع سرباله، فإذا رجع رجع إليه الإيمان».
أي أنه في الحال التي يتلبس فيها يفعل هذا المنكر أو ذاك لا يكون الإيمان في صحبته، إذ لو كان الإيمان معه، لكان له منه وازع يزعه عن مخالفة اللّه، والاعتداء على حدوده.. ففى تلك الحال يجلى الإيمان من قلبه، وينزع الثوب الذي يلبسه منه.. فإذا صدر عن هذا المنكر، وتاب إلى اللّه، ورجع إليه، عاد إليه الإيمان، وكان في المؤمنين، العاصين.


{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (4) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (7) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (8) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
بعد أن بينت الآيتان السابقتان حكم الزانية والزاني، وما يجرى عليهما من عقاب، وما يكون لهما من مكان في المجتمع الإسلامى- جاءت الآيات بعد هذا تبيّن شناعة هذه الجريمة، والخطر العظيم الذي ينجم عنها، حتى ليكاد يصيب كل من يقترب منها، فضلا عن أن يكون طرفا من أطرافها.
وهذه الجريمة لا تتم إلا بشهادة شهود أربعة، كما بيّنا، أو بالاعتراف أربع مرات، أو بالحمل في غير فراش الزوجية.
أما الاعتراف بالزنا والإقرار به، فأمره موكول إلى من فعله، وأقرّ به، ليتطهر بالعقوبة، من الرجس الذي لبسه.
وأما الحمل في غير فراش الزوجية، فهو منكر يمشى بين الناس، وفيه- مع المجاهرة بالفاحشة- اعتراف ضمنى.
وأما الشهود الذين يشهدون على واقعة الزنا، فهو موضوع هذه الآية، حيث تدعو الشهود إلى التثبت، والتحقق مما يشهدون عليه، وإلّا يعجلوا بالشهادة قبل التثبت والتحقق، وألا يتلقوا ما يشهدون به من أفواه الشائعات والأقاويل.. ذلك أن هذه الشهادة إذا تمت، كان من شأنها أن تهدر دم إنسان بالرجم، إن كان محصنا، أو تحطّم إنسانيته وتذهب بكرامته بالجلد، إن كان غير محصن.. إن آثارها في كلا الحالين، قضاء على إنسانية إنسانين، وفضحهما وفضح من يتصل بهما من أهل وولد.. ومن هنا أقام الإسلام تلك الحراسة الشديدة على الشهادة، وعلى الشهود معا.. كما فصلنا ذلك من قبل! فمن رمى محصنة أو محصنا، وقذفهما بهذه التهمة علنا، كان عليه أن يأتى بأربعة شهداء، هو واحد منهم، أو أربعة ليس هو فيهم.. يشهدون على ما رأوا بأعينهم من التقاء المرأة والرجل، التقاء محققا، كما يلتقى الزوج بزوجه في فراش الزوجية.
وقد ذكرت المحصنات، ولم يذكر المحصنون.. لأن المرأة تبعتها في هذه الجريمة- إذا ثبتت- أفدح من الرجل.. وكذلك ذكر المحصنات، ولم يذكر غير المحصنات، لهذا السبب عينه.
فالجميع داخلون في هذا الحكم، نساء ورجالا، محصنات، وغير محصنات، ومحصنين وغير محصنين.
وإنما ذكر الإحصان، للدلالة به على التعفف والتصوّن، وأن الذي يرمى بتلك التهمة إنما يرمى عفيفا متصونا، أو من شأنه أن يكون هكذا، أو من شأن المسلمين أن يظنوا به هذا الظن، قبل أن يتهموه.
فإذا لم يأت القاذف للمحصنة أو المحصن بأربعة شهداء، أو إذا أتى بهما ولم تتحقق التهمة من شهادتهم، لخلل فيها.. وقعوا جميعا- أي القاذف والشهود- تحت طائلة العقاب، واستحقوا شيئا من العقوبة التي كان يستحقها المتهم لو أن التهمة ثبتت عليه، وذلك بأن يجلد كل منهم ثمانين جلدة.. وليس هذا فحسب بل إنهم يخرجون من دائرة المسلمين العدول، فلا تقبل لهم شهادة أبدا.
وليس هذا وكفى، بل إنهم لينادى عليهم بأنهم فاسقون.. فتلك هى صفتهم- بل هذه هى صفتهم الخاسرة التي خرجوا بها من هذا الأمر الذي دخلوا فيه من غير تثبت، واستيقان.
وفى هذا كلّه دعوة للمؤمنين ألا يذيعوا الفاحشة في المؤمنين، وألا يتعجلوا الفضيحة للمسلمين، وأن يستروا عليهم ما كان للستر موضع.. وليس معنى هذا ألا ينكر الناس المنكر، وألا يسوقوا أهله إلى موقع العقاب، وإنما هو الحذر والحيطة، وعدم الطّير فرحا، إذا اطلع المسلم على سوء من مسلم..! وأنه إذا أراد الكشف عن هذا السوء فليكن في حذر، وفى مهل، وفى رفق، بل وفى أسى على هذا الذي غرق في الإثم، ووقع بين أنياب الفتنة..!
وفى قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} استثناء من الحكم الذي قضى به اللّه تعالى على أولئك الذين يرمون المحصنات، ولم تكن بين أيديهم الحجة القاطعة، وقد تضمن هذا الحكم ثلاثة أمور: جلدهم ثمانون جلدة.. وعدم قبول شهادة لهم أبدا.. ثم وسمهم بهذه السمة، وهى الفسق.
وقد اختلف فيما يقع عليه الاستثناء في قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا} أهو الجلد؟ أم عدم قبول الشهادة؟ أم وصفهم بالفسق.؟
ولا خلاف يعتدّ به في وقوع الجلد.. لأن التوبة، إنما تجىء بعد وقوع العقوبة، لأن التوبة لا تدفع الحدّ عمن لزمه الحدّ ووجب عليه، إذا أعلن توبته.
وإنما هى طهرة له، مما بقي عليه من آثار فعلته، مما لم يذهب به الحدّ.
أما الخلاف فهو فى: هل التوبة ترفع عن الذين أقيم عليهم حدّ القذف، هذا الحظر الذي أقيم عليهم بعدم قبول شهادتهم؟ وهل تزيل عنهم وصفهم بالفسق؟.
أكثر المفسرين على أن التوبة هنا إنّما تدخل بالاستثناء على الوصف بالفسق وحده. بمعنى أن المجلودين في هذا الحد، إذا تابوا، وأعلنوا توبتهم على الملأ وأصلحوا ما فسد منهم، رفعت عنهم صفة الفسق.. أما الحظر الذي أقيم عليهم بعدم قبول شهادتهم فهو قائم، لا ترفعه التوبة، لأنه جاء حكما مؤبدا، كما يقول سبحانه: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً}.
وذهب بعض المفسرين إلى أن التوبة تدخل بالاستثناء على الأمرين معا:
عدم قبول الشهادة، والوصف بالفسق، وأن التأبيد هو تأبيد قائم ما لم تلحقه توبة.. وقالوا: إن المجلود في الزنا، وهو أصل الجريمة، لم ينصّ على ردّ شهادته، فكيف ترد شهادة من جلد في الشهادة على الزنا، وتقبل شهادة من زنى..؟
والحقّ أن هذا قياس مع الفارق- كما يقولون- فالزّانى الذي جلد في الزنا إنما ارتكب جريمة، قامت عليه بالبيّنة، أو بالإقرار، أو بالحبل.. وفيها أن من أقرّ على نفسه، وطلب التطهير، هو شخص لم يقبل ضميره هذا المنكر، وأنه طلب بنفسه إنزال العقوبة به، ومثل هذا لا يمكن أن يشهد زورا، ومن ثمّ فهو عدل لا تردّ شهادته.. ومن جهة أخرى، فإن المجلودة أو المجلود في الزّنا، قد غلبتهما شهوة، وتسلط عليهما هوى، وأنهما بهذا قد جنيا على أنفسهما، أما شاهد الزور هنا، فهو إنما دخل إلى هذا الأمر لما غلب على طبيعته من فساد، وليس عن حال طارئة، أو شهوة غالبة، ثم إنه بهذا الزور يجنى على نفسه كما يجنى على غيره.. وكذلك الشأن في كل شهادة، هى في أصلها مؤثرة فيمن شهد عليه.
فردّ شاهد الزور الذي ثبت عليه هذا، ثم أقيم عليه الحدّ فيه، هو حماية للناس من أن يجنى عليهم بشهادة الزور، وقد جرّب عليه هذا، وأنه إذا كانت شهادته قد ردّت هنا، ولم يؤخذ بها، فإنه إذا كان له أن يشهد بعد هذا وأن تقبل شهادته، فقد يشهد بالزور، وقد يقضى بما شهد به.. وفى هذا بلاء وشر، يقع على الناس منه.
وعلى هذا، فإننا نرى أن المجلود في القذف لا تقبل شهادته أبدا.. وإن قبلت شهادة المجلود في الزنا.. وبهذا يكون الاستثناء في قوله: {إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا} واقعا على صفة الفسق، التي تسعها رحمة اللّه، وتشملها مغفرته.. لأن أمرها يتعلق بحق من حقوق اللّه.. أما شهادة الزور ففيها حق الناس، الذين تحمل عليهم هذه الشهادة.
ويؤيد هذا ما جاء في الرسالة المشهورة المعروفة برسالة القضاء، والمنسوبة إلى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه.. وفيها: المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حدّ، أو مجربا عليه شهادة زور، أو كان ظنينا في نسب أو ولاء وقد جرى الفقه على هذا، وأخذ به القضاء! وفى قوله تعالى: {وَأَصْلَحُوا} إشارة إلى أن من تمام التوبة أن يصلح الرامي ما أصاب برميته من جراح، أصابت المقذوف في شرفه وسمعته، كما أصابت أهله برذاذ من هذا الدم الذي يقطر من جراحه.. والإصلاح يكون بأن يعلن الرّامى على الملأ، أنه كان مخطئا، أو غير متحقق مما شهد به، أو أنه ألبس عليه الأمر، واختلط عنده الحق بالباطل.. إلى غير ذلك مما يطيّب خاطر المتهم، ويقطع ألسنة السوء فيه، أو يمسكها عن التمادي في النيل منه.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ}.
قررت الآية السابقة حكم الذين يرمون غيرأزواجهم بتهمة الزنا، وفى هذه الآية بيان لحكم الذين تكون التهمة منهم موجهة إلى أزواجهم.. فللعلاقة الزوجية شأن في هذا الأمر، غيره مع غير الزوج والزوجة.
فإذا وضع الرجل امرأته موضع التهمة، ورماها بهذا المنكر، لم يكن مطالبا لإثبات هذه التهمة بإحضار أربعة شهود يشهدون على هذا الأمر، إذ لا يقبل رجل على نفسه أن يعرض امرأته في هذا المعرض، وأن يفضحها تلك الفضيحة المعلنة، على الملأ.. وإنما المطلوب منه هنا هو أن يستشهد نفسه، ويحتكم إلى دينه وضميره، فيستخرج من كيانه أربعة شهود يشهدون على لسانه أربع شهادات، وذلك بأن يشهد هو هذه الشهادة، ويحتملها ديانة أمام اللّه، فيقول مثلا: أشهد اللّه أنى رأيت زوجتى هذه، فلانة، مع فلان، في حال تلبس بتلك الجريمة.
وإنى لمن الصادقين فيما شهدت.. ويكرر هذا أربع مرات.. ثم يجىء بالخامسة بعد هذا مواجها بها نفسه، فيقول: إنّ لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين.
ولا شك أن تكرار هذه الشهادة، وتكرار ذكر اسم اللّه معها في كل مرة، مما يتيح للرجل فرصة في أن يراجع نفسه، أو يرجع إلى اللّه إن كان أمره قائما على ظنون، وشكوك.
وفى المرة الخامسة التي يصبّ فيها لعنة اللّه عليه إن كان كاذبا، عملية يقف بها الإنسان على حافة الهاوية، ويطلّ منها على تلك الهوة العميقة التي سيتردّى فيها إذا هو مضى إلى غايته، ولم يكن متقيا اللّه في نفسه، وفى المرأة التي يضربها الضربة القاضية، بهذه الكلمة تخرج من فمه.
روى الإمام الشافعي- رضى اللّه عنه- في الرسالة أن رجلا لاعن زوجه عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فلما صار إلى الخامسة، التي يحسم فيها الأمر، قال صلوات اللّه ورحمته وبركاته عليه: «قفوه فإنها موجبة»! والواقع أن الزوج لا يسوق زوجه إلى هذا الموقف، إلا إذا قامت بين يديه القرائن القاطعة، والأدلة الواضحة.. ولكن كثيرا من الأزواج قد تعميهم الغيرة، فيخالون غير الواقع واقعا.. ثم لا يرضون إلا أن يكون انتقامهم من المرأة على تلك الصورة الفاضحة المخزية، التي أقلّ ما فيها أنها تنفى نسبة الولد إليه، إن كانت حاملا.
أما المرأة التي وضعت هذا الموضع، ولا عنها زوجها- فإن أقرت بما شهد به، أقيم عليها الحدّ، ورجمت.. وإن أبت أن تقرّ، فإن عليها أن تردّ شهادته بأن تشهد أربع شهادات باللّه إنه لمن الكاذبين.. وذلك بأن تقول مثلا: أشهد باللّه أن فلانا زوجى كاذب فيما اتهمني به.. تكرر ذلك أربع مرات.. ثم تقول في الخامسة: إن غضب اللّه عليها إن كان من الصادقين.
وبهذا تدرأ عن نفسها العذاب الدنيوي، وهو الرجم.. أما في الآخرة، فحسابها، وحساب زوجها على اللّه، سبحانه وتعالى، وهو الذي يعلم المحق من المبطل منهما.. إذ لا شك أن أحدهما كاذب.
ويترتب على هذا أن تطلّق المرأة من الرجل، ولها مهرها، من غير متعة، وتلزمها العدّة، ولا ينتسب ولدها الذي تأتى به إلى أبيه، بل ينسب إلى أمه، ولا يحلّ له زواجها أبدا.
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ}.
والدرء: الدّفع، والردّ.. والمراد بالعذاب هنا: الرجم.
قوله تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ}.
جواب لو لا محذوف، وتقديره: ولو لا فضل اللّه عليكم، ورحمته بكم، وأنه تواب حكيم- لو لا هذا لعنتّم، ولما عرفتم هذه الحدود، وتلك الأحكام التي بينها اللّه لكم، والتي يحسم بها ما يقع بينكم من شر وفساد، وضياع للأنساب.
ثم إنه تعالى: {تَوَّابٌ} يقبل العاصين منكم، ويردّهم إلى حظيرة المؤمنين الصالحين، إذا هم تابوا وأصلحوا، وهو سبحانه: {حَكِيمٌ} فيما حدّد من حدود ورصد من عقوبات، للمعتدين على حدوده.


{إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (13) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (20)}.
التفسير:
حديث الإفك.. عبرة وعظة:
بعد أن بينت الآيات السابقة حكم الذين يرمون المحصنات، ثم حكم الذين يرمون أزواجهم- جاءت الآيات هنا تبين حكما خاصا لواقعة خاصة، ترمى بها أحصن المحصنات، أم المؤمنين، عائشة، زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم.
والقضية في أصلها قضية واحدة، هى رمى المحصنات، واتهامهنّ بتلك التهمة الشنعاء.. وقد جاءت في ثلاثة معارض، الأول عاما، والثاني خاصا، والثالث أخص.
فالمحصنات، يدخل في حكمهن الزوجات، كما يدخل فيهن الإفك على أم المؤمنين عائشة رضى اللّه عنها.
وإنما جاء الحديث عن الزوجات في معرض خاص- وإن شملهن حكم المحصنات- لأن للعلاقة الزوجية- كما قلنا- اعتبارات خاصة، ينبغى أن يكون لها حساب وتقدير، غير حساب الأجنبى الذي يرمى محصنة أو محصنا.. كذلك، أم المؤمنين- عائشة- هى غير عامة المحصنات، وهى غير الزوجة.. إنها الأم لكل مؤمن ومؤمنة، فكان لا بد أن يكون لأمرها هنا ذكر خاص، وأن يتولى القرآن الكريم الكشف عن تلك الفرية التي افتريت عليها، وأن يمسك بأهل الإفك، ويسجل فضيحتهم، لتبقى عالقة بهم إلى الأبد.
والرأى عند المفسرين، والفقهاء، والأصوليين- أن بين الحكم الخاص بقذف الزوجات، وبين الحكم العام المتعلق بقذف المحصنات- تناسخا، وأن الآية الثانية ناسخة لعموم الحكم في الأولى.. أي أن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ.. الآيات} ناسخ لعموم الحكم في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً..}.
والرأى عندنا أنه لا تناسخ بين الحكمين.. فكل من الحكمين عامل في موضعه، وكل من الآيات، السابقة واللاحقة تقرر حكما لا يتعارض، ولا يتداخل مع صاحبه.
فالآيات الأولى، خاصة بقذف المحصنات حين يكون القاذف غير زوج.
ولهذه الحالة حكم خاص بها، وهى أن القاذف مطالب بأن يأنى بأربعة شهداء، وإلّا جلد ثمانين جلدة، ثم لا تقبل له بعد هذا شهادة أبدا.. ثم هو من الفاسقين.
أما الآيات الأخرى، فهى خاصة بقذف الزوج زوجه.. والحكم في هذا، هو التلاعن بينهما، وما يترتب على هذا، كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
والذي أدخل الشبهة على القائلين بالتناسخ بين الآيات، هو وجود كلمة {الْمُحْصَناتُ} هنا، وهناك.. فافترضوا لهذا عمومية الحكم في الآيات الأولى، بحيث يشمل الزوجات وغيرهن، وعدّوا إفراد الزوجات بذكر خاص في الآيات الأخرى، تخصيصا لعموم الحكم.. وهو عندهم- أي التخصيص- من قبيل النسخ الوارد على الحكم العام! وهذا غير صحيح من وجهين:
فأولا: المحصنات في الآيات الأولى، إنما يراد بهن العفيفات المتحصنات بعفتهن، سواء أكنّ متزوجات أم غير متزوجات، كما أنه يشمل- ضمنا- المحصنين من الرجال، بهذا المعنى أيضا، وهو المتحصّن بالعفة، سواء أكان متزوجا أم غير متزوج.
أما {المحصنات} في الآيات الأخرى، فالمراد بهن- نصا- المتزوجات، سواء أكنّ- في واقع الأمر- عفيفات أم غير عفيفات.
وثانيا: الذين يرمون المحصنات، أو اللائي يرمين المحصنين، في الآيات الأولى حكم خاص، لا يلتقى معه الحكم الذي يقع من التلاعن بين الزوجين، في أي وجه من الوجوه.
وإذن فلا تناسخ بين الآيات السابقة واللاحقة، بالتخصيص أو غيره.. وإنما كل من السابق واللاحق من الآيات له موضعه، وله الحكم الواقع على هذا الموضع.
ونعود بعد هذا إلى حديث الإفك.. وقد جاء كما قلنا في معرض خاص به، لأنه أشنع ما يقع في هذا الباب، من صور القذف.
وقد جاء القرآن الكريم بالحكم أولا على هؤلاء الذين افتروا تلك الفرية المنكرة، وأذاعوا هذا البهتان العظيم.. فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ}.
وقد تضمن هذا الحكم أمورا، منها:
أولا: وصف هذا الحدث الذي أثار البلبلة في الخواطر، والاضطراب بالنفوس بأنه إفك.
والإفك هو الافتراء، وخلق الأباطيل، ونسجها من الكذب والبهتان.
وثانيا: تصوير هذا {بِالْإِفْكِ} الذي جرى على ألسنة المؤتفكين، في صورة مجسّدة، وأنّه شيء مجلوب جاءوا به من عالم الظلام، وتعاملوا به، وتبادلوه، فيما بينهم، كما يتبادلون النقد الزائف: {جاؤُا بِالْإِفْكِ} وثالثا: وصف الجماعة التي جلبت هذا {بِالْإِفْكِ} واستوردته من ظنونها السيئة، وأوهامها الضالة- وصفها بأنها {عُصْبَةٌ} تداعت على الإفك، واجتمعت عليه، وأصبحت عصبة له، لما بينها من علائق التلاحم، والترابط، والتوافق، في فساد العقيدة، وضعف الإيمان، والانجذاب نحو الشرّ.
ورابعا: أن هذه العصبة التي جاءت بالإفك- شأنها في ذلك شأن كل عصبة- لها رأس فاسد يقودها إلى الشرّ، ويجمعها عليه.. ومن وراء هذا الرأس، أعضاء، تعمل معه، ولكل عضو مكانه ودوره الذي يقوم به.
وخامسا: هذه العصابة الآثمة التي جاءت بهذا الإفك- لها حسابها، وجزاؤها عند اللّه.. أما زعيمها، ولذى تولّى كبر أمرها، فله عذاب عظيم، أضعاف ما يلقاه غيره من الذين معه.
وسادسا: هذا الحديث الآثم، وإن بدا في ظاهره أنه شرّ تأذّت به النفوس الطاهرة، وضاقت به الصدور الكريمة- فإنه يحمل في طيّاته خيرا كثيرا، حين ينجلى هذا الدخان، ويتبدد هذا الضباب، فيسفر وجه الحق، ويكشف عن آية من آيات اللّه، في الطّهر، والعفّة، والتصوّن.
وحديث الإفك- كما يروى- هو أن أم المؤمنين عائشة رضى اللّه عنها، كانت في صحبة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم في إحدى غزواته، ويقال إنها غزوة- بنى المصطلق- وفى طريق العودة، نزل النبي- صلى اللّه عليه وسلم- وأصحابه منزلا، فلما آذنوا بالرّحيل، كانت أم المؤمنين، عائشة، تقضى حاجة لها، بعيدا عن هودجها الذي كانت تحمل عليه، وإذ كانت في عجلة من أمرها، فقد افتقدت عقدا لها.. فلما التمسته ولم تجده، وهى في طريقها إلى هودجها، عادت تبحث عنه، فلما وجدته، وأسرعت لتأخذ مكانها في رحلها، كان القوم قد احتملوه، وكانت صغيرة، خفيفة اللحم، فلم ينتبهوا إلى شيء مما حدث، وظنوا أنها في الرحل الذي حملوه.
وحين وصلت إلى مكانها، كان النبىّ وأصحابه قد بعدوا عنها، وهم على يقين من أنها في هودجها، على راحلتها التي يقودونها معهم.
والذي صنعته أم المؤمنين عائشة في تلك الحال، هو أنها جلست في مكانها، تنتظر عودة من يعود إليها من القوم، بعد أن يفتقدوها في الرحل، فلا يجدوها.
وكان من العادة أن يتخلّف وراء القوم من ينتدبونه، لينظر.. إذا استبان النهار- فيما خلّفوه وراءهم من أدواتهم، وأمتعتهم، فيلتقطها، ويحملها معه إلى أصحابها.. وذلك أنهم كانوا يرتحلون ليلا، فتندّ عنهم بعض الأشياء التي يحجبها الظلام عنهم.
وقد كان صفوان بن المعطل- رضوان اللّه عليه- هو المنتدب لهذه المهمّة.. فلما استبان ضوء النهار، وجاء حيث كان منزل الرسول وأصحابه في تلك الليلة، رأى سوادا، لم يتبيّنه أول الأمر، وظنّه متاعا من أمتعة القوم، فلما داناه رأى كائنا يتحرك في داخله- وكان الحجاب قد ضرب على نساء النبىّ- فلم ير لأم المؤمنين، وجها، ولكنه عرف أنها أم المؤمنين، فاسترجع، ثم أناخ لها بعيره، فركبته، وقاده بها حتى أدرك النبىّ وأصحابه في بعض الطريق.
دون أن ينطق بكلمة.
هذا هو مجمل القصة.
ولكن المنافقين- وعلى رأسهم عبد اللّه بن أبىّ بن سلول- أخذوا يتهامسون ويتغامزون، ثم تحول همسهم وتغامزهم إلى اتهام صريح لأم المؤمنين، على هذا الصحابي الجليل، صفوان بن المعطل.! ثم أخذ هذا الحديث يدور في المدينة، والمنافق عبد اللّه بن أبىّ ينفخ فيه، حتى أصبح نارا مشتعلة، علقت بأذيال المسلمين، وأكلت كثيرا من القلوب المؤمنة.. كما أنها أكلت ما بقي من إيمان في قلوب المنافقين والذين في قلوبهم مرض!
وقد بلغ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم، قالة المنافقين، وعلى رأسهم عبد اللّه بن أبىّ.. واستأذن بعض الصحابة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قتل هذا المنافق، وقتل من كان على شاكلته، ولكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبى عليهم ذلك، وفوّض أمره إلى اللّه، في هذا المنافق ومن معه.
أما أم المؤمنين، فإنها كانت في غفلة عن هذا الذي يتحدّث به المنافقون في شأنها، وكانت في تلك الأيام متوعكة، تلازم فراشها- وربما كان ذلك لما أصابها من مشقة السفر.. وقد استشعرت بطبيعة الأنثى إعراضا من النبىّ صلى اللّه عليه وسلم عنها، إلا أنها لم تعرف لذلك سببا.
كل هذا، والحديث يدور حولها، والعاصفة تزمجر عن يمينها وشمالها، وهى الغافلة عن كل هذا، غفلة أهل البراءة، المشغولة بدينها عن دنياها، شغل المؤمنين بالسماء، عما يشغل به الناس في الأرض.
وفى ليلة.. خرجت أم المؤمنين، مع قريبة لها، هى أم مسطح، لقضاء حاجة في الخلاء.. وكان أن عثرت أم مسطح أو تعمدت العثار، لتنطق بتلك الكلمة التي تريد أن تلقى بها إلى أسماع أم المؤمنين، ولتتخذ منها مدخلا إلى الحديث الذي تريد أن تفضى به إليها، وهى في غفلة عنه- فقالت أم مسطح حين عثرت أو تعاثرت: تعس مسطح، تريد ابنها مسطحا! فقالت أم المؤمنين بئس ما قلت يا أم مسطح في رجل شهد بدرا! فقالت أم مسطح: لا، وتعسا له!! أما سمعت ما يقول مسطح؟ فقالت وما يقول؟.. فأخبرتها ما يدور على الألسنة من حديث الإفك، ومن التهمة الظالمة التي يرميها بها المنافقون، ويتلقاها عنهم كثير من الثرثارين.. ومنهم مسطح!! وهنا تنبهت أم المؤمنين إلى ما كانت غافلة عنه، واسترجعت موقف النبىّ منها، وعرفت سبب إعراضه عنها، وأنه لم يكن لذلك من سبب إلا هذا الحديث، وأن النبىّ- صلوات اللّه وسلامه عليه- قد وقع منه هذا الحديث موقعا.
فكربت لهذا واضطربت، ورجعت إلى البيت محمومة يكاد يقتلها الأسى، ويفرى كبدها الألم! ثم استأذنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لتمرّض عند أبويها.. فأذن لها!!.. وكان ذلك مما ضاعف في بلوتها، لأنها ما استأذنت إلا لترى ما عند النبىّ لها.. فلما أذن لها عرفت ما هناك! ثم كان حديث عاصف ثائر، كادت تزلزل به أركان هذا البيت الكريم، بيت الصدّيق رضى اللّه عنه.
ولا نحسب أن أمرا عرض لأبى بكر، منذ صحب الرسول إلى هذا اليوم، كان أشدّ وقعا عليه، وابتلاء لصبره، وإيمانه، وإيثاره لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم- من هذا الأمر، الذي هيأ نفسه فيه لتقديم ابنته، وشرفه، على مذبح التضحية والفداء، في سبيل اللّه، ومن أجل رسول اللّه.
إنه- رضوان اللّه عليه- لم ينظر إلى نفسه، ولا إلى ابنته، وإنما نظر إلى رسول اللّه، وما أصابه في نفسه من هذا الأمر.. وإنه ليودّ مخلصا أن لو نزل طير من السماء، فاختطف ابنته، أو انشقت الأرض فابتلعتها، إذ كانت- في نظره يومئذ- هى الشوكة التي شاك بها المشركون والمنافقون رسول اللّه.
وإنه لا شيء أبغض إلى الصديق- رضوان اللّه عليه- من شيء يجىء إلى رسول اللّه منه ما يسوؤه، ولو كانت نفسه التي بين جنبيه، أو كانت فلذة كبده.
عائشة، رضوان اللّه عليها! إن الصدّيق- رضوان اللّه عليه- لم يكن ينظر إلى تلك الفرية إلا من حيث ما أصاب الرسول منها من أذى.
وسواء أصحت عنده تلك التهمة أو لم تصح.. فإنها آذت النبيّ.. والصدّيق لا يهمه في الدنيا شىء، إلا أن يرى النبىّ معافى من كل ضرّ، بعيدا عن كل أذى.. أما ما وراء ذلك- وإن عظم- فهو هين، يمكن أن تتحمله النفس وتصبر عليه.
ومن هنا ندرك، ما كان يعالجه الصدّيق من هموم، وما يعاينه من آلام!.
فهو- كمؤمن من المؤمنين، وأكثرهم حملا لأعباء الإسلام- قد أخذ بنصيبه الأوفى من تلك التهمة.
ثم هو كأكثر المؤمنين حبّا لرسول اللّه، وتعلقا به، وإيثارا له.. قد ذهب بالنصيب الأوفر منها.
ثم هو كأب لأم المؤمنين، وكسيد من سادات القوم، يحرص على شرفه- قد أخذ نصيبه كاملا منها.
ومع هذا كله، ومع تلك الأعباء الثقال التي حملها- فإنه- رضوان اللّه عليه لم ير النبىّ إلا ما يحبّ، ولم يسمعه إلا ما يرضيه.. وإنه لو استطاع أن يحمل عن النبىّ ما حمل من هذا الأمر لفعل.. ولكنه كان أبدا مع قوله تعالى: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ}.
ومن هنا أيضا ندرك بعض السرّ في أن كان من تدبير اللّه سبحانه وتعالى، ومن فضله العظيم على أبى بكر وإحسانه العميم إليه.. أن تتنزل رحمات اللّه على هذا البيت الكريم، الذي تعرض لهذه العاصفة الهوجاء المجنونة، وأن يطلع منه هذا النور السماوىّ الوهاج، الذي يفضح دعاة الإفك، ويخزيهم، ويسمهم بسمات الذلة، ويقيمهم في قفص الاتهام إلى يوم الدين، حيث ينظر إليهم نظرة اتهام، كلّ قارئ لكتاب اللّه، مرتل لتلك الآيات البينات، التي نزل بها الروح الأمين على الرسول الكريم، في بيت الصدّيق، وعلى مشهد منه، ومن أهله جميعا.
ففى زورة للرسول- صلوات اللّه وسلامه عليه- لآل أبى بكر، وهم في هذه المحنة القاسية، وفى أثناء حديث مرير، حرج، مزعج، بين رسول اللّه، وبين أم المؤمنين- تهبّ على هذا الجمع الكريم ريح طيبة، كأطيب ما يكون الطيب، ويخلص إلى نفوس الجمع منها، أنفاس عطرة، تشيع السكينة، والأمن، والرضا، فيجد لها كل من ضمه هذا المجلس الطيّب في رحاب هذا البيت الكريم- نغما علويا، يصدح بألحان مسعدة، تزفّ بين يديها آيات اللّه محمولة على أجنحة نورانية، ترف حول رسول اللّه، وتوشك أن تشتمل عليه.
ويمسك القوم عن الحديث بعد أن اتصل رسول السماء بالنبيّ، وتسكن الجوارح، وتبهر الأنفاس، وتتعلق الأبصار برسول اللّه، وما غشيه من هذا النور المتدفق من السماء.
ويأخذ الرسول- صلوات اللّه وسلامه عليه- ما يأخذه من الوحى، والقلوب واجفة، والأبصار زائغة. والنفوس قلقة.. لا يدرى أحد ما جاءت به السماء، وما يكون لها من حديث عن هذا الحدث الصاعق! وإن كانت السيدة عائشة على إيمان وثيق بربّها، وعلى ثقة مطلقة بطهرها، وبراءتها- فإنها ما كانت تتوقع- كما كانت تحدث عن نفسها فيما بعد- أن ينزل في شأنها قرآن، وأن تتنزل من السماء آيات تزكّيها، وتدمغ الباغين عليها!.
فلما انفصل الوحى عن رسول اللّه، وسرّى عنه- نطق وجهه الكريم بشرا، ونورا، قبل أن ينطق لسانه بما نزل على قلبه من كلمات ربه.. وعرفت السيدة عائشة، ومن معها أن قرآنا قد نزل ببراءتها.. وما هى إلا لحظة- مرت كأنها دهر- حتى أقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على عائشة قائلا:
«أبشرى يا عائشة أما اللّه عز وجل فقد برّأك»!! فقالت: بحمد اللّه لا بحمدك!
فقالت لها أمها: قومى لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.. فقالت: واللّه لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا اللّه عز وجل الذي أنزل براءتي!! إنها ثورة الحرة على شرفها، وعلى شرف النبىّ الذي شرفت بزواجها منه، وعلى شرف بيت النبوّة الذي ضمّت إليه، وعلى شرف بيت الصديق الذي نبتت منه!!.
وتهدأ العاصفة، وتخمد نار الفتنة، ويخرج أبو بكر وآله من هذه المحنة بأعظم مغنم، لم يكن لأحد من المؤمنين أن يشاركه فيه.. فقد نزل الوحى في بيت أبى بكر، بستّ عشرة آية من القرآن الكريم، هى في شأن أبى بكر، وبنت أبى بكر! لقد كان المسلمون يتعبدون فيما يتعبدون به من آيات القرآن الكريم، بقوله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ، إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا.. فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [40: التوبة]- وإنهم منذ الآن ليتعبدون إلى آخر هذه الحياة الدنيا، بتلك الآيات الست عشرة أيضا.. وكأنّ ذلك استغفار متصل من المؤمنين جميعا لأبى بكر، وبنت أبى بكر، من هذا المنكر الذي جاءت به عصبة من المؤمنين!.
وانظر إلى تدبير اللّه سبحانه، وإلى غيوث رحمته، وسوابغ فضله على المخلصين من عباده.
لقد كانت هجرة النبىّ، وإخراجه من بلده، والمسجد الحرام، غاية ما وصل إليه المشركون من إيذاء للنبىّ، في مشاعره.
وكان الغار على طريق الهجرة، الغاية القصوى لما كان يمكن أن يبلغه المشركون من النبىّ وصاحبه الصديق، لو أنهم ظفروا بهما، وقد كانوا على بضع خطوات منهما!! وإنه ليس لهذه الآلام النفسية القاسية من شفاء إلا في آيات اللّه، التي يقول سبحانه وتعالى فيها: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}.
(82: الإسراء) وقد نزل ما فيه الشفاء والرحمة: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ..}.
فأخذ أو بكر نصيبه من هذا من الشفاء والرحمة.
وفى حديث الإفك، كان المنافقون ومرضى القلوب من المسلمين، يمثّلون دور المشركين في مكة.. لقد آذوا النبىّ في مشاعره، وفى الدعوة التي يقوم عليها، إذ أن هذا الحديث لو جرى إلى غايته، ولم تعالجه السماء بهذا الدواء الرباني، لكان معولا يهدم في صرح الإسلام، الذي لم يتم بناؤه بعد، ولكان في يد الذين يكيدون لهذا الدين حجة قوية عليه، في عدوان أصحاب النبىّ على حرماته ومقدساته، لا يخافون عقاب اللّه، ولا يوقّرون الذي يدعوهم إلى اللّه.
ولكان لقائل أن يقول: إن أصحاب محمد هؤلاء، لو وجدوا في هذا الدين، أو في الداعية إلى هذا الدين ما يبعث في قلوبهم خشية، أو توقيرا لما جرؤ أحدهم على فعل هذا الذي يجرى به هذا الحديث الأثيم! نعم.. لقد كان النبىّ، ومعه صاحبه أبو بكر، ومعه المؤمنون الصادقون، يجدون من وقع ألسنة الذين جاءوا بهذا الإفك، ما كانوا يجدونه وهم في مكة على يد المشركين، وما يرمونهم به من ضرّ وأذى.
وكان فراق النبىّ للسيدة عائشة، وقبول انتقالها إلى بيت أبويها لتمرّض هناك وتستشفى مما ألمّ بها، أشبه بفراقه- صلوات اللّه وسلامه عليه- لبلده، وأهله، إلى حيث يطلب السلامة والعافية، في مهاجره الذي هاجر إليه.
ثم كان بيت الصديق، الذي أوت إليه أم المؤمنين أشبه بالغار.
حيث كثر الطلب للحديث عنها، وعلت الأصوات الخافتة للقالة فيها، بعد أن خرجت من بيت النبىّ، إلى بيت أبويها.
ثم لم يكن لهذا البلاء العظيم إلا ما ينزل من رحمة السماء، حتى يردّ للنفوس الطاهرة اعتبارها، ويأخذ لها بحقها، ويجزيها الجزاء العظيم على صبرها واحتمالها.. فنزلت تلك الآيات الست عشرة، التي رفعت قدرا رفعه اللّه وأراد المنافقون ومن في قلوبهم مرض أن ينالوا منه.. فكان أن زاده اللّه رفعة إلى رفعة، وشرفا إلى شرف، وذكرا باقيا خالدا على الدهر.. وهذا ما يشير اليه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}.
وأي خير أعظم من هذا الخير؟ وأي شيء في الدنيا كلها يعدله، أو يعدل بعضا منه؟
قوله تعالى: {لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ}.
لو لا: حرف تحضيض، بمعنى هلّا.. فهو استفهام يراد به الحثّ على إتيان الأمر المستفهم عنه.
والمعنى: لقد كان من الخير لكم أيها المؤمنون وأيتها المؤمنات، إذ سمعتم هذا المنكر- أن تنكروه، وتردوه على أهله الذين جاءوا به.. حيث أن التي ترمى به، امرأة مؤمنة منكم، بل هى أم المؤمنين، وزوج الرسول الكريم.
وكل صفة من تلك الصفات هى وحدها أمان لها من الزلل والعثار، ووازع قوى يزعها عن الاعتداء على حدود اللّه، فكيف إذا اجتمعت لها هذه الصفات جميعها؟.
وفى قوله تعالى: {ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً} أمور.. منها:
أولا: الإشارة إلى تلك الرابطة القوية الوثيقة، التي تربط المؤمنين جميعا بعضهم ببعض، بحيث يكون ما يعرض لأحدهم من عارض يمسّه، في نفسه، أو دينه، أو مقامه في مجتمعه- هو مصاب يصاب به المجتمع المؤمن كلّه.. فالمؤمنون كما وصفهم القرآن الكريم {إِخْوَةٌ} كما يقول سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}.
ثم هم كما وصفهم الرسول الكريم جسد بحكم هذا الرباط الأخوة الذي يربطهم، ويشد بعضهم إلى بعض.. يقول الرسول- صلوات اللّه وسلامه عليه «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر».
وثانيا: الإشارة إلى أن المؤمن حقّا، إنما ينظر إلى المؤمنين من خلال نفسه، فإذا كان على السلامة في دينه، والاستقامة في طريقه، رأى المؤمنين جميعا مثله، على تلك الصفة.. وهذا من شأنه أن يلفت المؤمن إلى نفسه أولا.. فإذا سمع عن مؤمن ما ينقص من إيمانه، أو ما يشير إلى انحراف في سلوكه- ثم استقبل هذا الذي سمعه، ولم يضق صدره به، ولم تألم نفسه له- كان عليه أن يتهم إيمانه أولا، لأنّه قبل أن يدخل عليه هذا المنكر، الذي دخل على المؤمنين جميعا، وأضيف إليهم، بحكم الوحدة القائمة بينهم.. ثم إذا هو هشّ لهذا الذي سمعه، أو طار به فرحا- فليعلم أنه ليس من الإيمان إلا على حرف، وأنه موشك أن ينفصل عن الإيمان، ويقطع صلته بالمؤمنين.. ثم إذا هو لم يقف عند الحدّ، وأطلق لسانه بهذا المنكر الذي سمعه، وعمل على إذاعته، ونشره في الناس- فليعلم أنه- مادام على تلك الحال- فهو ليس من الإيمان في شىء، وأنه قائم على منكر، لا يجتمع هو والإيمان، في كيان إنسان.
وثالثا: الإشارة إلى أن المؤمن من شأنه أن يكون مبرّا من التهم، بعيدا عن مواطن الشبهات.. وأنه أبدا على هذه البراءة حتى تثبت إدانته.. أما قبل هذا، فإن كلّ كلمة سوء تقال فيه، هى إثم كبير، وبهتان عظيم.. يستحق قائل السوء فيه أن يساق إلى موقف الاتهام، وأن يطالب بالدليل القاطع على صدق ما يقول، وإلا فالحدّ في ظهره.. تأديبا له، وقصاصا لحرمة هذا المؤمن، أو المؤمنة.. واللّه سبحانه وتعالى يقول: {وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ} [194:
البقرة].
قوله تعالى: {لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ}.
{لَوْلا} هنا للتمجيز، وليست للتحضيض.. إذ لم يكن من الممكن الإتيان بأربعة شهداء، يشهدون على هذا المنكر، لأنه إن أمكن اصطياد أربعة ممن يشهدون عليه زورا، فإن الزور سينفضح، حيث ستختلف أقوالهم، وتضطرب ألوان الصورة التي يصورون بها الواقعة المزورة، لأن كلا منهم يصورها حسب ما تمليه عليه أوهامه وخيالاته، وهيهات أن يلتقى وهم مع وهم، أو يجتمع خيال إلى خيال، وإن أحكموا فيما بينهم تدبير الأمر، وعملوا على سد الخلل فيه!! وفى قوله تعالى: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ} إشارة إلى أنهم لم يأتوا بهم، لأن هذا الأمر لم يشهده أحد.. فقد كانت أم المؤمنين، وكان معها صفوان ابن المعطّل.. ولم يكن أحد غيرهما، وذلك على ما رأى المسلمون وغير المسلمين جميعا.. فأى شاهد يمكن أن يجىء ويقول: إنه شهد شيئا كان بين أم المؤمنين وصفوان؟.
وهذا هو السر في التعبير بالظرف {إذ} بدلا من أداة الظرف الشرطية {إذا} أو {إن} كما يبدو من ظاهر النظم.
وفى هذا ما يجعل هذا الخبر واقعا محققا، وهوقوله تعالى: {فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ}.
أي أن هؤلاء الذين جاءوا بهذا الإفك، موسومون عند اللّه بالكذب.
وقوله تعالى: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ}.
هو ظرف تقع في حيّزه الجملة الخبرية.. وتقدير النظم هكذا: هاتوا أربعة شهداء.. وإنه لا شهداء معكم، وإذن فأنتم عند اللّه الكاذبون، إذ أنكم لم تستطيعوا أن تجدوا من يشهد على افترائكم وبهتانكم.
وفى قوله تعالى: {فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ} إشارة إلى أن هؤلاء الذين جاءوا بالإفك، ليسوا كاذبين عند الناس، وحسب، بل إنهم في حقيقة الأمر كاذبون فعلا.. وهذا ما سجله اللّه عليهم، ووصفهم به فقد يكون الإنسان في نظر الناس كاذبا في حديث تحدث به، أو شهادة شهد بها، وهو في واقع الأمر صادق.. وإن لم تقم قرائن للناس منهم، حين لم يكن معهم شاهد على بهتانهم.
قوله تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ}.
أفاض في الأمر: أي بالغ فيه، وأكثر منه. وأفاض في الحديث:
توسّع فيه، وجاوز الحد.
والخطاب موجه إلى المؤمنين جميعا، وأنهم يحملون شيئا من وزر هذا الحديث الآثم، الذي تردد في آفاقهم، وأن الذين لم يشاركوا فيه، ولم يستمعوا له، وقد مسّهم شيء من ريحه الخبيثة.. فهؤلاء الآثمون الذين افتروا هذا البهتان العظيم، هم بعض هذا المجتمع الكبير.. وأنه لو وقع بهم بلاء اللّه، لأصاب رذاذه من لا ذنب له من المؤمنين.
ولكن فضل اللّه سبحانه وتعالى على المؤمنين، وإحسانه إليهم، قد اتسع لهؤلاء المذنبين، فشملهم.. وبدلا من أن يقع البلاء بالمذنبين، ويتسرب إلى غيرهم من المؤمنين، أراد اللّه للمؤمنين الحسنى، فجعل إحسانه إلى المؤمنين، وقاية من إساءة المسيئين، ثم جعل من هذا الإحسان شيئا ينال الآثمين، فلم يعجّل لهم العذاب في الدنيا، بل مدّ لهم في هذه الحياة، ليجدوا فرصتهم في التوبة إلى اللّه، وقد تاب كثير منهم، وقبلت توبتهم، وحسن إيمانهم.
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ}.
قوله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}.
تلقونه بألسنتكم: أي يلقيه بعضكم إلى بعض، وتتداوله الألسنة، كما تتداوله الأيدى الأشياء فيما بينها! وهذا يعنى، أن حديث الإفك الذي تداوله المتداولون بينهم، لم يكن إلا بضاعة رخيصة من لغو الكلام، الذي تتحرك به الألسنة وحدها، دون أن يكون له دافع من عقل أو رأى.. إنه حركة آلية، لا يشترك فيها من كيان الإنسان إلّا اللسان.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} أي أن هذا الحديث المدار بينكم في هذا الأمر، هو حديث ألسنة، لا تنطق عن علم، ولا تأخذ عن عقل، أو منطق.. إنه حديث لسان يأخذ عن لسان، حتى دون أن يمر على الأذن! {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ}.
وإنه لإعجاز من القرآن الكريم هذا التصوير المعجز الشائعات السوء، حين تجد من الناس آذانا مصغية إليها، ونفوسا مستجيبة لها.. إنها حينئذ تنطلق في سعار وجنون، بحيث لا تدع للناس فسحة من الوقت يتلقونها بآذانهم، ثم يديرونها في عقولهم ومشاعرهم، ليكون لهم خيار في قبولها أو ردها، بل إنه يلقى بها على ألسنتهم خلقا مصنوعا، مجهزا للتعامل به على صورته تلك.. إنها كلمات مردّ الحكم فيها إلى الألسنة.
فلتذقها الألسنة إذن، ولتحكم عليها بما تذوق منها.. وإن كثيرا من الناس، ليقفون بالكلام على حدود ألسنتهم، ويفوّضون لها الأمر فيما تقبل منه أو ترفض.. وإن لكلمات السوء لحلاوة على ألسنة أهل السوء والفساد، يترشفونها كما يترشفون الماء البارد على ظمأ، في يوم قائظ!.
وفى قوله تعالى {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} تحذير لهؤلاء الذين يستخفّون بالكلمة، وينفقون من رصيد ألسنتهم بغير حساب.. ظانين أن ذلك لا يضيرهم في شيء أبدا، ما دام الذي ينفقون لا يكلّفهم جهدا أو مالا.
وهذا ظن خاطئ.. فالكلمة ليست مجرد صوت ينطلق من فم، وإنما هى- في حقيقتها- رسالة من الرسالات إلى عقول الناس، قد تكون طيبة، فتحمل إليهم الخير والهدى، وقد تكون خبيثة، فتسوق إليهم البلاء والهلاك.. وقد ضرب اللّه مثلا للكلمة الطيبة فقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها}.
وكذلك ضرب اللّه مثلا للكلمة الخبيثة، فقال سبحانه: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ} [24- 26:
إبراهيم].
فالكلمة في حساب المبطلين، والمفسدين، وأصحاب النفوس المريضة، والعقول الفارغة- شيء رخيص، لا وزن له، ولا ثمن للقليل أو الكثير منه.
وهى عند أهل الرأى والعقل، والحكمة، والإيمان.. شيء عظيم، هى آية اللّه في الإنسان.. بها كان إنسانا، وكان خليفة اللّه في الأرض.. وبالكلمة خلق اللّه السموات والأرض، وما فيهن ومن فيهن.. وبالكلمة صاغ الإنسان هذه المصنوعات التي ملأ بها وجه الأرض. فلولا الكلمة ما ولدت الأفكار، ولو لا الأفكار ما ظهر للإنسان عمل أكثر من عمل الحيوان على الأرض.
وهذا الحديث الآثم، الذي انطلق في آفاق المدينة، وتداولته بعض الألسنة في غير تحرج أو تأثم، هو أخبث ما تنطق به الأفواه من كلم، إذ كان زورا وبهتانا، وافتراء على الحق في أرفع منازله، وعدوانا على الطهر في أشرف مواطنه.
قوله تعالى: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا.. سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ}.
هو بيان من اللّه سبحانه وتعالى للمؤمنين الذين خاضوا في هذا الحديث، أو استمعوا له، أو سكتوا عنه، وتوجيه لهم إلى الموقف الذي كان ينبغى أن يقفوه من هذه الفتنة، وتلقين لهم بالكلمة التي كان يجب أن يلقوا بها هذا البهتان العظيم.
فليس للمؤمن إلا موقف واحد من هذا الحديث، وهو إنكاره، وبهت المتحدثين به، ووضعهم موضع التهمة بالكذب والافتراء.
وفى قوله تعالى: {إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} إشارة إلى أن الأمر لم يكن إلا حديثا يدار على الألسنة، ويلقى به على الأسماع، وأنه لم يكن عن رؤية ومشاهدة.
وفى قوله تعالى: {ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا} إشارة أخرى إلى أن هذا الحديث الآثم، لا ينبغى لمؤمن أن ينطق به، لأنه عدوان على النبىّ، وجرح غائر لمشاعره، وإيذاء شديد له.. وليس مؤمن ذلك الإنسان الذي يسوق إلى النبي شيئا يسوءه، أو يخدش مشاعره.. واللّه سبحانه وتعالى يقول: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ} [61: التوبة].
فلو فرض وكان هذا الأمر على شيء من الحقيقة- فإن الإيمان باللّه ورسوله يقتضى المؤمن أن يدفع هذا السوء الذي يعرض للنبى، وأن يتلقاه دونه، ويحمله عنه.. إن وجد إلى ذلك سبيلا.
أما أن يكون خطبا يزيد النار اشتعالا، فذلك هو الذي لا يجتمع معه إيمان، ولا يبقى معه دين.. لأن الإيمان ولاء، وحب وتقديس، والدين عبادة وصلاة وتسبيح.
قوله تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.
هو دعوة كريمة من رب كريم، إلى المؤمنين، ألّا يعودوا إلى مثل هذا الأمر، وألا يخوضوا في أعراض المسلمين، وألا يجعلوا لكلمة السوء مكانا في قلوبهم، أو موضعا على ألسنتهم، أما هذا الحديث الذي حدث، فاللّه سبحانه وتعالى، قد عاد بفضله على الذين عضهم الندم، وجاءوا إلى اللّه تائبين مستغفرين.
فالخطاب هنا موجه إلى كل من كان له مشاركة في هذا الأمر، من قريب أو بعيد.
وفى قوله تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ} إشارة إلى أن الذين اشتركوا في هذا الحديث لم يهلكوا بعد، وأنهم مدعوون إلى أن يستمعوا إلى ما يوعظون به، فإن قبلوا الموعظة وعملوا بها نجوا، وإلا فهم في الهالكين.
وفى قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} إشارة إلى أن الذين توجّه إليهم هذه العظة إنما هم الذين يحرصون على الإيمان، ويدفعون عن أنفسهم كل ما يشين إيمانهم، أو ينقصه.
قوله تعالى: {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
هو إشارة إلى أن ما وعظ به المؤمنون في الآيات السابقة، هو ما اقتضته رحمة اللّه بالمؤمنين، ببيان الشبهات التي تعرض لهم، وبألا يؤخذوا بالعقاب قبل أن يبلّغوا البلاغ المبين، الذي لا شبهة فيه.. وفى هذا يقول سبحانه:
{وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ} [115:
التوبة].. وذلك عن علم العليم، الذي يعلم من عباده ما لم يعلموا، ومن حكمة الحكيم، الذي كشف بالعلم طريق الهدى لعباده، ليكونوا بهذا العلم أهل حكمة وبصيرة.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.
هو تعقيب على هذا الحدث العظيم، بالتنبيه إلى أن الذين يحبون أن تفشو الفاحشة، وتشيع الفتنة في مجتمع المؤمنين- هؤلاء لهم عذاب أليم في الدنيا، وذلك بأنّ يؤخذوا بما رصد من عقاب لأولئك الذين يرمون المؤمنين بغير ما اكتسبوا.. ثم إن لهم عذابا أشد وأنكى من هذا العذاب، في الآخرة.
وإشاعة الفاحشة في المجتمع من يكون أكثر من وجه.
بالإقدام على الفاحشة، والتعامل بها.
أو بالمعالنة بإتيان الفاحشة من مرتكبها، أو التحدث بها إلى الناس، وإفشاء ما ستر اللّه منه.
أو بإذاعة الأحاديث عن الفاحشة، سواء أكان ذلك في أهل الفاحشة أم في غيرهم.
أو بالإصغاء إلى حديث الإثم، وترك المتحدثين به، يثرثرون، دون أن يردعهم رادع، أو يمسك ألسنتهم أحد.
فهذه الوجوه، وما يدخل مداخلها، كلها مما تشيع به الفاحشة في المجتمع، قولا، وفعلا.. وأنها إذا لم تؤخذ عليها السبل، من أول الأمر، استشرى شرها، وعظم خطرها، واتسعت دائرتها، حتى ليصبح المجتمع كله واقعا في قبضتها.
إنها أشبه بالنار، تكون أول الأمر شرارة، فإذا هى لم تعالج في الحال، اندلعت ألسنتها، وعلا لهيبها، وصارت حريقا عظيما، لا يقف له شىء، ولا يدفعه شىء، فتقع الجماعة كلها تحت الخطر الذي ترمى به.
وفى قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} تحذير للذين يستمعون لقالة السوء، ويعطون آذانهم لمن يلقون إليهم بها.. فأكثر هذه المقولات كذب، وبهتان، ورجم بالغيب، ورمى بالظنون.. وأكثر ما يدفع المتقولين إلى ركوب هذا المركب الآثم، هو ادعاؤهم العلم بخفايا الأمور، وأنهم يعلمون ما لا يعلم الناس.. وهذا ليس من العلم في شيء حتى وإن كان صدقا، فما هو إلا قشور من قشور العلم، أما العلم الحق، فهو ما يعلمه اللّه: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.
قوله تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ} لو لا: حرف امتناع لوجود.. أي امتناع تحقيق جوابها، لوجود شرطها.
ولو لا هذا الشرط لتحقق الجواب ووقع.
وجواب الشرط هنا محذوف، وتقديره، ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته، وأنه رءوف رحيم بكم، لأخذكم بعذابه على هذا الأمر العظيم الذي وقعتم فيه، وخاض فيه الخائضون منكم.

1 | 2 | 3 | 4 | 5